ترك الأذان في مسجد المجلس ليؤذن في برلمان الثورة
بقلم/ محمد صلاح الدين
مما لاشك فيه أن برلمان الثورة هو أول برلمان يأتي لمصر منذ عقود طويلة بإرادة شعبية خالصة ولكنه ليس بالضرورة قد أتى بأفضل من في مصر ولكنه في النهاية أختيار شعب مصر الذي يشاهد الأداء البرلماني في مرحلة عصيبة من مراحل التاريخ المصري بل إسمحوا أن أشبهها بمرحلة نكسة 5 يونيو 1967 حيث أكتنف الشعب المصري كله الشكوك والغموض حول مستقبل الوطن ودرعه المسلحة والتي سرعان ما عادت من بعيد لتثبت لشعبها وللعالم أن إرادة الإنسان المصري أقوى من أن تنكسر ورغم ذلك إلا أن الشعب من حقه تقييم ونقد وتصويب الأداء البرلماني تحت قبة البرلمان.
ولعل هذه الرسالة هي التي ستظل باقية عقب الخروج من مرحلة إنتقال السلطة للدخول في مرحلة إنتقالية أخرى هي مرحلة الإنتقال من الوصاية والحجر على الأراء والتخوين والإقصاء إلى مرحلة الممارسة الديمقراطية الحرة الوطنية المنضبطةالتي تفهم وتتفهم معاني الدولة بكل أبعادها .
فلأول مرة نرى اليوم من كان بالأمس يمثل الشارع المصري في مؤسسات الدولة الرسمية وعلىمقاعدها كنواب لهذا الشعب في غياب تمام لرموز كبيرة تغيبت عن المشهد بفعل التطهيرالثوري ، إلا أن ذلك لا يعني أن تفقد مؤسسات الدولة هيبتها وبروتكول إدارتها ليسمن ناحية الإلتزام باللائحة الإدارية والتنظيمية والمشروعية القانونية فحسب بل منحيث ما يليق وما لايليق من سلوكيات تحت قبة البرلمان.
لقد أشرت في مقالتي السابقة عن البرلمان والتي جاءت بعنوان" أقسم بالله العظيم " إلى مخالفة للتقاليد والأعراف الإدارية والتنظيمية لمؤسسة عريقة مثل مؤسسة البرلمان المصري عندما تم تحريف القسم من بعض الأعضاء السلفيين الذين أضافوا ”بما لا يخالف شرع االله" فرض عليهم بعض النواب الليبراليون بإضافة”حماية أهداف الثورة والوفاء لدم الشهداء” وكأننا أمام مناكفة سياسية تحت عنوان الشريك المخالف حيث كانت بمثابة تحذير من الخروج على التقاليد البرلمانية.
ثم تحدثت عن مدى غياب المرونة السياسية والدبلوماسية، والأخطر غياب المرونة الفقهية النبوية التي جسدها النبي صلى االله عليه وسلم في صلح الحديبية عندما كان النبي يملي على علي رضي الله عنه ما يكتب فقال له: اكتب بسم الله الرحمن الرحيم .. فقال سهيل ومن هو الرحمن الرحيم ... نحن لا نعرفه .. بل اكتب ما تعودناه : بسمك اللهم .. فقال النبي: امح يا علي واكتب باسمك اللهم .. ثم أكمل الرسول فقال اكتب يا علي: هذا ما عاهد عليه محمد رسول الله .. فاعترض سهيل هنا وقال: لو كنا نؤمن أنك رسول الله ما كنا ها هنا.. فقال النبي: امح يا علي .. فقال علي والله لا أمحوها أبداً .. فقال النبي دلّني عليها يا علي أمحوها أنا .. فمحاها النبي صلى االله عليه وسلم .. ولقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على التوافق مع المشركين، فلما لا يتوافق بعض السلفيين اليوم مع شعبهم خاصة وأن القسم يأتي تحت مظلة المادة الثانية من الدستور!!
وقد يقول قائل إن هذا القيام والإسقاط في غير محله كون أعضاء المجلس ليسوا مشركين، وهم بالطبع ليسوا كذلك فهم مؤمنون ، ولكن الإسقاط هنا يقوي المعنى ويوضحه، فإذا كان الأعضاء هم من الجماعة الوطنية المصرية فالواجب معهم اتباع سياسة أفضل وأكثر مرونة وليونة للوصول للعملية التوافقية لصالح الوطن وحماية الثورة وعدم إستفزاز شركاء الوطن من الذين يحملون أفكاراً سياسية متنوعة سواء عقائدية أو فكرية فماذا سيكون موقف النائب السلفي إذا قام أحد النواب المسيحيين بإسم الحرية ومايتمتع به من حصانة في دولة ديمقراطية ومناسبة دينية ما في الإعلان عن التراتيل والترانيم الدينية تحت قبة البرلمان؟ وماذا لو قام أحد النواب الصوفية وقام بعمل جلسة ذكر ؟وماذا لو قامت مجموعة من بعض النواب العلمانيين بالغناء الوطني تحت قبة البرلمان وأثناء إنعقاد الجلسة تعبيراً منها عن التضامن مع قضايا الثورة؟
إن النشوذ السلوكي عن الجماعة والمؤسسات الوطنية وقيمها وتقاليدها العريقة يؤدي إلى النفور الشعبي ممن يُصر على ذلك النشوذ ، إن إصرار أحد النواب السلفيين على رفع الأذان في المجلس وكأنه الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود الذي أراد أن يُسمع قريش القرآن ، إن مصر مؤمنة ياسيادة النائب وليس لك أو لغيرك المزايدة على إيمان الأعضاء جميعاً أو إيمان الشعب المصري إننا لانريد منك الأذان أو الإقامة بل نريد منك أن تُعلي صوت الشعب في البرلمان وتنادي بحقوقه وتقترح من المشاريع القانونية ما تحمي حاضره ومستقبله عبر المساءلة القانونية والمحاسبة لمواجهة أي إنحراف في السلطة التنفيذية لا أن تؤذن في البرلمان ولو أردت ذلك فلتخرج إلى مسجد مجلس الشعب لتؤذن كما شئت أو لتقترح مشروع بإقامة الأذان داخل قبة البرلمان ليصوت عليه الأعضاء فإن وافق المجلس فلتؤذن كما شئت وإن لم يوافق المجلس فليس من حقك الإنفراد بذلك أبداً حتى ولو بإسم الحصانة البرلمانية أو الحرية الشخصية فالحرية تحتاج إلى إنضباط قيمي وسلوكي يتفق مع روح الأعراف والتقاليد الوطنية والتي لا تخالف الشريعة الإسلامية.
الأمرالذي يفرض على المشهد البرلماني ضرورة تكثيف الإجتماعات التوجيهية بين رئيس المجلس ووكلاءه مع السادة رؤساء اللجان وجميع الأحزاب الممثلة في البرلمان لإحترام الأعراف والتقاليد البرلمانية المصرية في الحوار والمناقشة والشكل البرلماني العام للمحافظة على هيبة هذه المؤسسة الرسمية الوطنية في أعين الداخل والخارج.
لا أملك قلوب الناس حتى أحكم عليها ولكني أحسن الظن بما فيها من صدق وخير ولكن هذا الخير وحده لا يكفي إلا أن يصاحبه سلوكاً وطنياً يعبر عن الأعراف والتقاليد الوطنية للمؤسسات الوطنية المصرية العريقة، ولعل سوء طالع هذا البرلمان أن سقف توقعات الشعب له كبيرة ، ولعل من حسن طالعه هو أنه سيعلم كيف كانت تُدار مصر من خلال ما سيقدمه الأعضاء من استجوابات وما يقومون به من دراسات وأبحاث عبر اللجان البرلمانية المختلفة ليكون هذا المجلس ولجانه الدستورية بمثابة دورة تدريبية شاملة في شتى مناحي الحياة الوطنية للشعب المصري.
أعان الله مصر وشعبها على هذه المرحلة الحاسمة من تاريخ الوطن ، والله أسأل أن يوفق جميع نواب الشعب لتحقيق أهداف الثورة وممارسة الرقابة التشريعية والقانونية وخدمة أبناء الوطن وتعزيز الديمقراطية وتحقيق المساءلة وإعمال دولة القانون وحماية الأقليات وتحقيق العدالة الاجتماعية ورعاية أبناء وأسر الشهداء وجرحى ومصابي الثورة حتى نثبت للعالم أجمع أن مصر وفيّة لأبنائها أحياءً وأمواتًا. كذلك استعادة حقوق وكرامة الشعب المصري العظيم في الداخل والخارج ، وبناء الدولة المصرية الحديثة التي تساهم في تحقيق الأمن والسِلم العالمي .. اللهم آمين وكل برلمان وأنتم بخير.








